محمد بن جرير الطبري
70
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الاستفهام ثانية ، فلأنه المعتمد عليه ، وترك الجزء الأول . وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين أنكروا البعث وجحدوا الثواب والعقاب ، وقالوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ هم الذين جحدوا قدرة ربهم وكذبوا رسوله ، وهم الذين في أعناقهم الأغلال يوم القيامة في نار جهنم . فأولئك أصحاب النار : يقول : هم سكان النار يوم القيامة ، هُمْ فِيها خالِدُونَ يقول : هم فيها ماكثون أبدا ، لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ . . . لَشَدِيدُ الْعِقابِ يقول تعالى ذكره : ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية ، فيقولون : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه ، فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير ، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة ، وأخرى بالخسف ، وذلك هو المثلات التي قال الله جل ثناؤه . وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ والمثلات : العقوبات المنكلات ، والواحدة منها : مثلة بفتح الميم وضم الثاء ، ثم تجمع مثلات كما واحدة الصدقات صدقة ، ثم تجمع صدقات . وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات ، فالواحدة على لغتهم منها مثلة ، ثم تجمع على مثلات ، مثل غرفة وغرفات ، والفعل منه : مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء ، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره ، قلت : أمثلته من صاحبه أمثله إمثالا ، وذلك إذا أقصصته منه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ : وقائع أمة في الأمم فيمن خلا قبلكم . وقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وهم مشركو العرب استعجلوا بالشر قبل الخير ، وقالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ قال : بالعقوبة قبل العافية . وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قال : العقوبات . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : الْمَثُلاتُ قال : الأمثال . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وحدثني المثنى : قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قال : المثلات : الذي مثل الله في الأمم من العذاب الذي عذبهم تولت المثلات من العذاب ، قد خلت من قبلهم ، وعرفوا ذلك ، وانتهى إليهم ما مثل الله بهم حين عصوه وعصوا رسله . حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سليم ، قال : سمعت الشعبي يقول في قوله : وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قال : القردة والخنازير هي المثلات . وقوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ يقول تعالى ذكره : وإن ربك يا محمد لذو ستر على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس ، فتارك فضيحته بها في موقف القيامة ، وصافح له عن عقابه عليها عاجلا وآجلا على ظلمهم . يقول : على فعلهم ما فعلوا من ذلك بغير إذن لهم بفعله . وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ لمن هلك